ابن كثير
299
السيرة النبوية
قال ابن إسحاق : فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا ، فصرخ الجهني : يا معشر الأنصار . وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين . فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث فقال : أوقد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ؟ والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول : " سمن كلبك يأكلك ! " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، وعنده عمر بن الخطاب فقال : مر به عباد بن بشر فليقتله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، لا ولكن أذن بالرحيل . وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها . فارتحل الناس . وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم بلغه ما سمع منه ، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به . وكان في قومه شريفا عظيما ، فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه : يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل . حدبا على ابن أبي ودفعا عنه . فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه وقال : يا رسول الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح